
أزمة رفض سيارات الأجرة الصغيرة بمراكش: بين فوضى الانتقائية والحلول القانونية الغائبة
تتحول عملية التنقل اليومي في شوارع المدينة الحمراء مراكش، لاسيما خلال أوقات الذروة والمواسم السياحية، إلى رحلة بحث شاقة ومحفوفة بالتوتر للمواطنين والزوار على حد سواء. والسبب: معضلة باتت تؤرق الشارع المغربي وتتكرر بشكل يومي، وتتمثل في امتناع بعض سائقي سيارات الأجرة الصغيرة (الطاكسيات) عن نقل الزبائن إلى وجهاتهم، واشتراط مسارات محددة تتوافق مع “مزاجيتهم” أو رغبتهم في تحقيق ربح سريع وسهل.
“ماشي في طريقي”.. العبارة الأكثر استفزازاً للمواطن المغربي
تحت أشعة الشمس الحارقة أو في أوقات متأخرة من الليل، يضطر الكثير من المواطنين، من موظفين وطلبة ومرضى، إلى سماع جملة واحدة تتكرر بنبرات مختلفة: “ماشي في طريقي” أو “الجهة الأخرى مزدحمة”. هذا الفرز العشوائي للزبائن والوجهات يفرغ قطاع النقل العمومي من غايته الاجتماعية والقانونية الأساسية، ويحول الحق الدستوري في التنقل إلى خدمة خاضعة لتقدير السائق الشخصي.
ويشكو العديد من مغاربة الخارج والسيّاح، وكذا ساكنة الأحياء الهامشية بمراكش، من تفضيل بعض السائقين للمسارات السياحية القصيرة والمربحة مالياً، متناسين واجبهم المهني والأخلاقي في خدمة الصالح العام دون تمييز.
ماذا يقول القانون المنظم لقطاع سيارات الأجرة بالمغرب؟
من الناحية القانونية والتشريعية، يعد امتناع سائق سيارة الأجرة عن نقل الزبون دون مبرر قانوني قاهر مخالفة صريحة ومباشرة للقرارات العاملية والولائية المنظمة لقطاع النقل العمومي.
وتتضمن المقتضيات التنظيمية عقوبات زجرية واضحة في حق المخالفين تبدأ من سحب رخصة الثقة لمدد متفاوتة، وتصل إلى حد حجز المركبة في حال تكرار المخالفة. غير أن غياب قنوات واضحة وسريعة لتقديم الشكايات، وضعف التبليغ من طرف المواطنين بداعي الرغبة في تفادي الإجراءات الإدارية المعقدة، يساهمان بشكل غير مباشر في استمرار هذه الفوضى واستفحالها.
وجهة نظر المهنيين: إكراهات حقيقية لا تبرر الفوضى
في المقابل، يدافع بعض المهنيين عن أنفسهم بالإشارة إلى جملة من الإكراهات الموضوعية التي تواجههم يومياً، ومن أبرزها:
- الارتفاع المتواصل لأسعار الوقود والمحروقات، والذي يلتهم جزءاً كبيراً من المداخيل اليومية.
- قيمة “الروسيطة” اليومية المرتفعة التي يفرضها أصحاب المأذونيات على السائقين المهنيين.
- الاختناق المروري الحاد الذي تشهده المحاور الطرقية الرئيسية بمراكش، مما يجعل بعض الرحلات غير مجدية اقتصادياً وتستنزف وقتاً طويلاً وجهداً كبيراً.
ورغم واقعية هذه الإكراهات، يجمع المتتبعون للشأن المحلي على أنها لا يمكن بحال من الأحوال أن تبرر خرق القانون أو تشرعن السلوكيات اللاقانونية التي تضر بصورة المدينة السياحية وبمصالح المواطنين الأساسية.
نحو حلول جذرية لإنهاء الأزمة
يرى فاعلون جمعويون وحقوقيون بمراكش أن إنهاء هذه الأزمة يتطلب مقاربة شمولية وحازمة ترتكز على النقاط التالية:
- تفعيل المراقبة الأمنية الصارمة: تكثيف دوريات شرطة المرور وفرق المراقبة التابعة للولاية في النقاط السوداء ومحطات التجمع الكبرى (مثل ساحة جامع الفنا، محطة القطار، وجيليز).
- تسهيل آلية التبليغ: إطلاق منصة رقمية أو تطبيق ذكي يتيح للمواطنين تسجيل الشكايات فورياً وإرفاقها برقم مأذونية الطاكسي المخالف وتوقيت الحادثة لضمان سرعة المعالجة.
- إعادة هيكلة القطاع: تحرير السائق المهني من ضغط “الروسيطة” العشوائي وربطه بعقود عمل تضمن حقوقه المادية والاجتماعية.
- تشجيع الرقمنة: تسريع إدماج تطبيقات النقل الذكية المرخصة لخلق منافسة شريفة تدفع بجودة الخدمات نحو الأفضل.
تبقى كرامة المواطن وحقه في تنقل سلس وآمن خطاً أحمر، وتحسين قطاع النقل بمدينة مراكش لم يعد ترفاً، بل ضرورة ملحة لمواكبة التنمية الاقتصادية والنهضة السياحية التي تشهدها بلادنا.
شارك المقالة:





















Post Comment